يوسف المرعشلي
314
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
العلم الشرعي على يد كبار العلماء داخل المساجد ، ثم التحق بالمدرسة الحميدية في منطقة مشحة بعكار ، وكان من أساتذته الشيخ محمد إبراهيم الحسيني ، والشيخ سعيد طنبوزة وغيرهما ، ثم عاد إلى طرابلس حيث داوم على حضور الدروس التي كان يلقيها الشيخ أمين عز الدين . عيّنته نظارة المعارف عام 1920 معلّما في المدرسة السلطانية ، وظل يمارس التدريس فيها حتى عام 1931 ، وهو العام الذي ألغت فيه وزارة إميل إده التعليم الشرعي ، ثم أعيد إلى التدريس ، لكن الشيخ جميل لم يعد ، وفضّل البقاء مدرّسا في دار التربية والتعليم الإسلامية التي كان يترأسها والتي أصبحت مدرسة ثانوية عام 1932 ، حيث كان يدرّس فيها مادة الأدب العربي ، ثم أنشأ فيها قسما شرعيا وتولّى في هذا القسم تدريس العلوم الشرعية واللغوية إلى آخر أيام حياته المباركة . مارس التدريس أيضا في مدرسة « الحباك » ، ثم انتقل في أواخر أيام حياته للتدريس في المسجد المنصوري الكبير ، وقام بإمامة المسجد المذكور ، ومارس تعليم العلوم الدينية في كثير من المدارس الرسمية ، وشغل في فترات من حياته عضوية دائرة الأوقاف الإسلامية في طرابلس . وقد تميّز الشيخ جميل عدرة بالصدق والجرأة وحدة الذكاء والصلابة وقول الحق ، وكان يؤلمه أن يرى مجتمعه سادرا في جهالته ، بعيدا عن دينه وإسلامه ، غافلا عمّا تتمخّض عنه دنيا العرب والإسلام من حركات إصلاحية وثورات تحررية . يقول الزميل الباحث عبد القادر الأسمر في مقال نشره في جريدة اللواء عن الشيخ جميل عدره : إنه أولع بتتبع سيرة محمد بن عبد الوهاب ودراسة مذهبه ، وهو حين لم يجد في طرابلس ما يكفي لدراسة الوهابية غادر إلى الحجاز عام 1932 حاجّا ودارسا ، وقد اجتمع ببعض علماء الحجاز فكان له معهم مناظرات ومساجلات ، وعاد إلى بلده وهو متأثر إلى أبعد حدود التأثر بالمذهب الوهابي . ولم يكتب الشيخ جميل عدرة بالتدريس في المعاهد والمدارس والمساجد ، بل اتخذ من الصحافة منبرا جديدا للثقافة والوعظ والإرشاد ، وأنشأ مع العلامة الشيخ مصطفى وهيب البارودي مجلة « البيان » عام 1911 ، ثم استقل بها بعد صدور العدد السابع ، وقد صدر منها أربعة وعشرون جزءا جمعت في مجلدين ، وكانت تصدر شهريا في ست وثلاثين صفحة ، وقد كانت مجلة دينية عمرانية تاريخية أدبية ، كما عرّف عنها منشؤها على الغلاف . ولم يقتصر نشاط الشيخ عدرة على التربية والتدريس والصحافة بل تعداه إلى الجمعيات الخيرية والعلمية والاجتماعية ، فانتسب منذ مطلع شبابه إلى الجمعية الخيرية الإسلامية التي كان يرأسها الشيخ علي رشيد الميقاتي بأمر من مدحت باشا والي سوريا ، وفي عام 1921 ، أسس مع بعض رجال الخير جمعية إسعاف المحتاجين وملجأ الأيتام الإسلامي ، فكان هو رئيسها ، والتي أصبحت في ما بعد تعرف باسم « الجمعية الخيرية الإسلامية وإسعاف المحتاجين » . كان للشيخ جميل عدرة نظرات وآراء إصلاحية متقدمة في شأن تطوير العلم الديني والتربية الدينية واستنهاض همم المسؤولين في الأوقاف لاستثمار أفضل للوقف ، وقد اعتذر عن قبول مهمة رئاسة دائرة الأوقاف واشترط في ذلك ثلاثة أمور هي : أولا : إنني لا أوافق مطلقا على استبدال العقارات على أساس توزيع أثمانها على المستحقين ، فالاستبدال شرعا ، معناه بيع العقار وشراء عقار آخر خير منه بثمنه ، لذلك سأكتفي بإبداء المخالفة تمسكا بالأصل الشرعي . ثانيا : أما حساب المصروفات والواردات وما شاكلها من الأمور التي تحتاج إلى وقت طويل ودقة في ضبط الحساب وتدقيقه وتحقيقه ، فإن وقتي لا يتسع للقيام بها ، ولا سني ولا صحتي ، لذلك أفوض تدقيقها إلى إخواني الأعضاء ذوي الهمة والوجدان والذكاء والدين أحملهم كل غلط أو تقصير . ثالثا : إنني أنما قبلت ثانية بعد الاستقالة الأولى بمهمة الرئاسة ، على أمل القيام بخدمة ترضي اللّه ورسوله ، وفي رأيي إن أعظم ما يرضي اللّه ورسوله هو خدمة الدين ، وخدمة الدين « تكون بإعمار بيوت اللّه بالشعائر والوعظ والإرشاد ، وهذا ما يفتقر إلى تكوين جيل جديد من العلماء الصالحين العاملين المحترمين ، وإيجاد مثل هذا الجيل لا يكون إلا بتشويق الشباب